المقريزي
30
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
فلمّا كان ليلة التاسع من ذي القعدة فرّ حسين بأولاده وصهره وجميع أموالهم وسلاحهم ، فسيّر الحاكم الخيل في طلبهم نحو دجوة « 1 » فلم يدركهم وأوقع الحوطة على سائر دورهم ، وجعلت للديوان المفرد ، وهو ديوان أحدثه الحاكم يتعلّق بما يقبض من أموال من يسخط عليه ، وحمل سائر ما وجد لهم بعد ما ضبط ، وخرجت العساكر في طلب حسين ومن معه ، وأشيع أنّه قد صار إلى بني قرّة بالبحيرة ، فأنفدت إليه الكتب بتأمينه واستدعائه إلى الحضور ، فأعاد الجواب بأنه لا يدخل ما دام أبو نصر ابن عبدون النصرانيّ الملقّب بالكافي ينظر في الوساطة ويوقّع عن الخليفة ، فإنّي أحسنت إليه أيام نظري فسعى بي إلى أمير المؤمنين ونال منّي كلّ منال ، ولا أعود أبدا وهو وزير . فصرف ابن عبدون في رابع المحرّم سنة إحدى وأربعمائة ، وقدم حسين بن جوهر ومعه عبد العزيز بن النعمان وسائر من خرج معهما ، فخرج جميع أهل الدولة إلى لقائه وتلقّته الخلع فأفيضت عليه وعلى أولاده وصهره ، وقيّد بين أيديهم الدواب ، فلمّا وصلوا إلى باب القاهرة ترجّلوا ومشوا ومشى الناس بأسرهم إلى القصر فصاروا بحضرة الحاكم ، ثمّ خرجوا وقد عفا عنهم ، وأذن لحسين أن يكاتب بقائد القوّاد ويكون اسمه تاليا للقبه ، وأن يخاطب بذلك . وانصرف إلى داره فكان يوما عظيما ، وحمل إليه جميع ما قبض له من مال وعقار وغيره ، وأنعم عليه وواصل الركوب هو وعبد العزيز بن النعمان إلى القصر ، ثم قبض عليه وعلى عبد العزيز واعتقلا ثلاثة أيام ، ثمّ حلفا أنّهما لا يغيبان عن الحضرة ، وأشهدا على أنفسهما بذلك ، وأفرج عنهما ، وحلف لهما الحاكم في أمان كتبه لهما . فلما كان في ثاني عشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة ركب حسين وعبد العزيز على رسمهما إلى القصر ، فلمّا خرج للسلام على الناس قيل للحسين وعبد العزيز وأبي علي أخي الفضل : اجلسوا لأمر تريده الحضرة منكم ، فجلس الثلاثة ، وانصرف الناس فقبض عليهم وقتلوا « 2 » في وقت واحد ، وأحيط بأموالهم وضياعهم ودورهم ، وأخذت الأمانات والسجلات التي كتبت لهم . واستدعي أولاد عبد العزيز « 3 » بن النعمان وأولاد حسين « 4 » بن جوهر ووعدوا بالجميل وخلع عليهم ، وجملوا واللّه يفعل ما يشاء .
--> ( 1 ) في معجم البلدان : دجوة ( دجوى ) . ( 2 ) انظر الكامل لابن الأثير 7 / 258 - 259 . ( 3 ) في الكامل لابن الأثير : 7 / 256 : عبد العزيز بن محمد بن النعمان بن محمد بن المنصور بن أحمد بن حيّون المغربي القيرواني الإسماعيلي ، ولد في ربع الأول سنة 355 ه ، وكان قاضي القضاة للعبيديين . ( 4 ) في الكامل لابن الأثير 7 / 259 : هو أبو عبد اللّه حسين بن القائد جوهر بن عبد اللّه المعروف بالكاتب الرومي فاتح مصر سنة 358 ه . تولى حسين المذكور قائد القواد للجيش الفاطمي بعد أبي الفتوح برجوان مدبّر دولة الحاكم بأمر اللّه .